أحمد بن محمد القسطلاني

121

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

متعدّيًا ، ويدل له حديث الشيخين مرفوعًاً " من قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه " . ومن لطائف إسناد هذا الحديث ما قيل إن أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عنه ، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصيام مطوّلاً ، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي ومالك في موطئه . ولما كان التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة ومع ذلك فقد يوافقها وقد لا يوافقها ، وكان هذا المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى ناسب أن يعقب المؤلف هذا الباب بفضل الجهاد استطرادًا فقال : 26 - باب الْجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ هذا ( باب ) بالتنوين ( الجهاد من الإيمان ) أي شعبة من شعبه أو أنه كالأبواب السابقة في أن الأعمال أيمان لأنه لما كان الإيمان هو المخرج له في سبيله تعالى كان الخروج أيمانًا تسمية للشيء باسم سببه ، والجهاد قتال الكفار لإعلاء كلمة الله ، ولفظ باب ساقط في رواية الأصيلي . 36 - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ - لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي - أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ . وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ، ثُمَّ أُقْتَلُ » . [ الحديث 36 - أطرافه في : 2787 ، 2797 ، 2972 ، 3123 ، 7226 ، 7227 ، 7457 ، 7463 ] . وبالسند إلى البخاري قال : ( حدّثنا حرمي بن حفص ) أي ابن عمر العتكي بفتح المهملة والمثناة الفوقية نسبة إلى العتيك بن الأسد القسملي بفتح القاف وسكون المهملة ، وفتح الميم نسبة إلى قسملة وهو معاوية بن عمرو أو إلى القساملة قبيلة من الأزد البصري ثقة من كبار العاشرة ، وانفرد به المؤلف عن مسلم ، وتوفي سنة ثلاث أو ست وعشرين ومائتين ، ( قال : حدّثنا عبد الواحد ) بن زياد العبدي نسبة إلى عبد القيس البصري الثقفي نسبة إلى ثقيف ، المتوفى سنة سبع وسبعين ومائة ( قال حدّثنا عمارة ) بضم العين المهملة ابن القعقاع بن شبرمة الكوفي الضبي نسبة إلى ضبة بن أدّ بن طابخة ( قال حدّثنا أبو زرعة ) هرم أو عبد الرحمن أو عمرو أو عبد الله ( بن عمرو ) وفي رواية غير أبي ذر والأصيلي بزيادة ( ابن جرير ) البجلي بفتح الموحدة والجيم نسبة إلى بجيلة بنت صعب ( قال : سمعت أبا هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال ) : ( انتدب الله ) بنون ساكنة ومثناة فوقية مفتوحة ودال مهملة كذلك في آخره بموحدة . وقال الحافظ ابن حجر في رواية الأصيلي : هنا ائتدب بمثناة تحتية مهموزة بدل النون من المأدبة وهو تصحيف وقد وجّهوه بتكلف ، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرّج كاف في تخطئته انتهى . وعزاها القاضي عياض لرواية القابسي ، وأما رواية انتدب بالنون فهو من ندبت فلانًا لكذا فانتدب أي أجاب إليه . وفي القاموس وندبه إلى الأمر دعاه وحثّه أو معناه تكفل ، كما رواه المؤلف في أواخر الجهاد أو سارع بثوابه وحسن جزائه ، وللأصيلي وكريمة انتدب الله عز وجل ( لمن خرج في سبيله ) حال كونه ( لا يخرجه إيمان ) وفي رواية إلا الإيمان ( بي وتصديق برسلي ) بالرفع فيهما فاعل لا يخرجه والاستثناء مفرغ ، وإنما عدل عن به الذي هو الأصل إلى بي للالتفات من الغيبة إلى التكلم ، وقول ابن مالك في التوضيح كان الأليق إيمان به ولكنه على تقدير حال محذوف أي قائلاً لا يخرجه إلا إيمان بي ، ولا يخرجه مقول القول لأن صاحب الحال على هذا التقدير هو الله . ردّه ابن المرحل فقال : أساء في قوله كان الأليق ، وإنما هو من باب الالتفات ولا حاجة إلى تقدير حال لأن حذف الحال لا يجوز حكاه الزركشي وغيره . وقال في المصابيح : ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوع ، فقد ذكر ابن مالك من شواهده هنا قوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } [ البقرة : 127 ] أي قائلين . وقوله تعالى : { وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ } [ الرعد : 23 ] أي قائلين سلام عليكم . وقوله تعالى : { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء } [ غافر : 7 ] أي قائلين . قال ابن المرحل : وإنما هو من باب الالتفات ، وقال الزركشي : الأليق أن يقال عدل عن ضمير الغيبة إلى الحضور يعني أن الالتفات يوهم الجسمية فلا يطلق في كلام الله تعالى ، وهذا خلاف ما أطبق عليه علماء البيان . وذكر الكرماني قوله : أو تصديق برسلي بلفظ أو واستشكله لأنه لا بدّ من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسله . وأجاب بما معناه أن أو بمعنى الواو أو أن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله وتصديق رسله مستلزم للإيمان بالله . وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم يثبت في شيء من الروايات بلفظ أو اه - . نعم . وجدته في أصل